< المقالات

رسالة من  الماضي

من سمات هذا العصر التقدم الحضاري و العلمي المضطرد لدرجة يعجز فيها الفرد عن استيعاب كل ما يخترع و ما يكتشف و ما يسخر له. و انكب الانسان, بل و الاجيال المتتابعة, ما بعد الولادة على استيعاب كل جديد الى درجة تصل في اغلب الاحيان الى الاسراف. جراء ذلك,  حصد من سلبيات هذه الحضارة الى درجة كبيرة اصبحت تهدد حياته. و مثالا لذلك نستعرض هنا حياة الانسان المعيشية عندما انتقل خلال هذه السنين من الحياة البسيطة التي فطر الله عز و جل الانسان عليهاز قال تعالى: ( ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت ايدي الناس) صدق الله العظيم.

في هذا المقال لا ادعو الى الطرق المعيشية القديمة فيصعب الان تطبيقها بحذافيرها و انما الشاهد و القصد هو عدم الاسراف في تطبيق معطيات هذه الحضارة. 

نجد ان هناك زيادة مضطردة في نسبة الاصابة بامراض القلب الوعائية و السكتات الدماغية و الامراض المسببة لها, مثل ارتفاع ضغط الدم و السكري و ارتفاع نسبة دهون الدم, لدرجة كبيرة حازت على اهتمام و جهود منظمة الصحة العالمية و مراكز البحوث لايجاد سبل كفيلة بخفض نسب الاصابة كذلك فقد حازت أمراض القلب الوعائية و السكتات الدماغية على أكبر نسبة في تسبيب الوفاة مقارنة بالامراض الاخرى.

و المتأمل يعزو ارتفاع نسب الاصابة بهذه الامراض الى تغير نمط المعيشة الحديث . و نحن هنا في منطقة الخليج العربي قد تأثرنا كثيرا خلال الثلاثون عاما السابقة . ارتفعت فيها نسب الاصابة بمرض السكري و ارتفاع ضغط الدم و زيادة نسبة الدهون بالدم. حتى ان معدل وزن الفرد قد ارتفع هو الاخر. مقابل ذلك انخفض بشكل ملوظ معدل الحركة اليومية للفرد. و لا يفوتنا هنا ذكر ظاهرة سلبية عانى منها الفرد و المجتمع الا و هي التدخين بجميع انواعه . فهو سبب رئيسي لتصلب الشرايين بل انه عامل سيئ عند مرضى ارتفاع ضغط الدم و ممن يعانون من امراض القلب أو امراض الدماغ الوعائية حيث لا يمكن اكتمال علاجهم الا بايقافه.

الجانب الاخر هو جانب النشاط و الحركة اليومية في حياة الفرد, و الفترة المهملة في حياة الانسان هي السن ما بين 30 و 50 عاما يكاد فيه الانسان ينهمك جريا وراء لقمة العيش دونما اعطاء نصيبا يسيرا من وقته -  قد لا يزيد عن 20 دقيقة بمعدل لا يقل عن ثلاثة ايام في الاسبوع -  يبذل فيها نشاطا و جهدا ابسط صوره هو المشي المتسارع أو الهرولة. فمعه تتسارع دقات القلب و يزداد معدل التنفس و ينتج بعض التعرق. و المداومة على هذا ينمي لياقة الانسان, فكفاءة القلب و الدورة الدموية و الرئه و الجهاز العضلي تبقى في أحسن صورها, بل و ان في هذا الجهد اليسير اذا ما داوم الانسان عليه سببا في منع هشاشة العظام و تأخير ظهور مرض السكري و ارتفاع ضغط الدم كما ان هذا يساهم على تخفيض الجرعة العلاجية عند مرضى ارتفاع ضغط الدم . المداومة على النشاط الحركي اليومي بهذا المعدل يضمن لمريض السكر نسبا مقبولة من السكر في الدم. 

ما أود ان اثيره هو لحظة تامل من كل فرد للنظر في نظام حياته المعيشي و حياة اسرته و ابنائه و الاجيال القادمة فنجد ان ما يحيط بنا هو كم هائل من أغذية مصنعة و معلبة و محفوظة شعارنا و موقفنا حيالها هو التوقف أو الاقلال و ان كان و لا بد فعدم الاسراف في استهلاكها. فمما اثير مؤخرا من زيادة ملح الطعام في الاطعمة المعلبة و المحفوظة و ما سببه ذلك من ارتفاع في نسب الاصابة بارتفاع ضغط الدم و أمراض القلب و الدماغ الوعائية و بالتالي زيادة في الوفيات جراء هذه الامراض. 

و أختم بقول المولى عز و جل ( و كلوا و اشربوا ولا تسرفوا ) صدق الله العظيم .

و قول المصطفى ص ( حسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه )  

 

د. عـــثـــمـــان مــتـــولــــــــــــي

رئيس قسم القلب- مستشفى الملك فهد العام بجدة

المجوعة الاستشارية السعودية لمكافحة السكتة الدماغية